تهدف هذه الدراسة إلى تشخيص واقع تطبيق المعايير الدولية المتكاملة لتقييم أداء المنظمات غير الحكومية في السياق السوري، وذلك عبر التركيز على مرحلة التحول الاستراتيجي من النموذج الإغاثي الطارئ إلى نموذج التنمية المستدامة وإعادة الإعمار في مرحلة "ما بعد التحرير". وتسعى الدراسة للإجابة على التساؤل الرئيسي حول مدى تطبيق معايير الحوكمة، والشفافية المالية، والفعالية والتأثير، والكفاءة التشغيلية، والمساءلة في برامج عمل هذه المنظمات، حيث اتخذت من "الجمعية الشبابية السورية للتنمية" حالة دراسية تطبيقية.
واعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، حيث تم تصميم أداة استبيان شاملة تتكون من خمسة محاور رئيسية تُمثل متغيرات الدراسة الخمسة، وتم توزيعها على عينة عشوائية من العاملين في الجمعية بلغ حجمها 89 فرداً، بعد تطبيق معايير علمية لحساب حجم العينة المناسب.
وخضعت البيانات المجمعة لتحليل إحصائي متقدم باستخدام برنامج SPSS .
كشفت نتائج الدراسة عن مستوى التطبيق الفعلي للمعايير، حيث تميز أداء الجمعية بشكل واضح في مجال الفعالية والتأثير، وهو ما يعكس نجاحاً عملياً في ترجمة الأهداف إلى نتائج ملموسة وضمان استدامة أثر مشاريعها. وسجلت أيضاً تقييمات إيجابية في مجالات الكفاءة التشغيلية والمساءلة والحوكمة، إذ أظهرت قوة في الالتزام بالأطر القانونية وتبسيط العمليات ووضوح السياسات الداخلية، بينما برزت بعض نقاط الضعف النسبية في تقييم أداء القيادات وترسيخ ثقافة المساءلة العلنية. في الجانب المقابل، برز التحدي الأكبر في مجال الشفافية المالية والمحاسبية، حيث شكل أدنى مستوى في التطبيق، مما يشير إلى عجز واضح في ممارسات الإفصاح الكامل والنشر المنتظم للتقارير المالية المدققة، وهو ما يمثل عقبة جوهرية تهدد بناء جسور الثقة الكاملة مع كل من الممولين والمجتمع المحلي.
واستناداً إلى هذه النتائج، تخلص الدراسة إلى أن ضمان الدور الفعال للمنظمات غير الحكومية السورية في مرحلة إعادة الإعمار مرهون بقدرتها على معالجة فجوة الشفافية المالية، وترسيخ آليات مساءلة راسخة تجاه المستفيدين، وتبني أنظمة رصد وتقييم متطورة لقياس الأثر بعيد المدى. كما تُوصي بضرورة قيام الجهات المانحة بتقديم دعم مالي مرن ومتعدد السنوات يشجع التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في البنية المؤسسية الداخلية، مما يسهم في النهاية في تحويل هذه المنظمات إلى شركاء تنمويين حقيقيين، قادرين على المساهمة في بناء سوريا المستقبل بشكل أكثر شفافية، مساءلة، واستدامة.